زينب الجيلاوي /النجف الأشرف
حافظتِ السفرةُ الرمضانية في النجف على خصوصيتها المذاقية بوصفها مرآةً للهوية الاجتماعية والذاكرة الجمعية، إذ تتميز عن سواها من المدن بنكهاتها المتفردة وأطباقها التراثية التي ما تزال حاضرة في وجدان الأهالي، جيلاً بعد جيل. ولم تكن مائدة الإفطار مجرد طقسٍ غذائي، بل فضاءً ثقافياً تتجسد فيه القيم العائلية وروح التكافل، وتُستعاد عبره حكايات الماضي بعبق التوابل ودفء المواقد.
وتتصدر أكلة الفسنجون النجفي قائمة الأطباق الرمضانية بوصفها علامةً مميزة للمدينة، إذ اشتهر أهل النجف بإتقان إعدادها، لما تجمعه من توازن دقيق بين المذاقين الحامض والحلو في توليفةٍ تعكس خبرةً تراكمت عبر عقود. فالفسنجون ليس طبقاً عابراً، بل هو تمثيل رمزي للذائقة النجفية التي تميل إلى الاعتدال والانسجام في النكهة، وتحرص على حضورٍ لافت في مناسباتها الدينية والاجتماعية.
غير أنّ العقد الأخير شهد تحولاتٍ واضحة في بنية السفرة الرمضانية، تأثراً بتغير أنماط الحياة وتسارع إيقاعها. فقد دخلت أطباق جديدة وسريعة التحضير إلى قائمة الإفطار، من بينها السمبوسة بأنواعها المختلفة، والشوربات الجاهزة، فضلاً عن مقبلات خفيفة باتت جزءاً أساسياً من المائدة اليومية. ويعكس هذا التحول ميلاً عملياً ينسجم مع ضغوط العمل وتبدل أدوار الأسرة، حيث غدت السرعة عاملاً حاسماً في اختيار الأصناف.
في المقابل، تراجع حضور بعض الأطباق التراثية التي تتطلب وقتاً وجهداً في التحضير، كخبز التنور والمرق التقليدي والحلويات الشعبية، ليحل محلها بدائل جاهزة أو شبه جاهزة. وهو تحول لا يخلو من دلالات اجتماعية، إذ يشير إلى انتقالٍ تدريجي من اقتصاد المطبخ المنزلي القائم على الحِرفة والصبر، إلى ثقافة استهلاكية أكثر اختصاراً للوقت.
ومع ذلك، فإن السفرة الرمضانية النجفية ما تزال تحافظ على روحها الأصيلة، إذ تبقى أطباق مثل الفسنجون، والتشريب، والرز مع المرق، إلى جانب اللبن والتمر والشاي، ركناً ثابتاً لا يمكن الاستغناء عنه. إنها معادلةٌ متوازنة تجمع بين التراث والتجديد، وتؤكد أن الهوية الغذائية للمدينة قادرة على التكيّف دون أن تفقد جذورها.
وهكذا، تظل مائدة رمضان في النجف فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة مع الحداثة، ليبقى الطعم شاهداً على استمرارية المكان، وعلى قدرة المجتمع على صون إرثه وهو يعبر تحولات الزمن.



